أخبار وطنية في ذكرى ميلاد الحبيب بورقيبة: اهدي هذا النص لروحه وللغافلين عن تاريخه والجاحدين دوما لأفضال الرّجال.. بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
الحبيب بورقيبة (1903- 2000 )
هو الحبيب بن علي بورقيبة ولد بالمنستير بالساحل التونسي في 3 أوت 1903، حسب التاريخ الرسمي، وسط عائلة متوسطة الحال كثيرة العدد، درس في مدرسة الصادقية في كفالة أخيه بالعاصمة تونس وتحصل منها على شهادة البروفي العربي ومن معهد كارنو على شهادة الباكلوريا في جزأيها (1923 و1924) بملاحظة حسن ثم انتقل للدراسة الجامعية بباريس حيث حصل على الاجازة في الحقوق من جامعة السوربون سنة 1927 وكذلك على دبلوم العلوم السياسية من المعهد الحر للعلوم السياسية وقد استفاد الحبيب بورقيبة كذلك من دروس المستشرق الفرنسي وليام مرسي حول الثقافة العربية ومحاضرات الطبيب والأستاذ جورج دوماس في علم النفس والأمراض العقلية كذلك انتفع من تتبعه للنشاط السياسي والإعلامي والثقافي طيلة إقامته بفرنسا ليعود لتونس متزوجا من فرنسية سنة 1927.
في تونس بعد فترة التربص كمحام لأربع سنوات فتح في 1931 مكتبه الخاص بالحي الشعبي وقلب تونس النابض منذاك بباب سويقة وانخرط في النشاط السياسي، وخاصة الصحفي وكتب مع ثلة من رفاقه الشباب ونشر المقالات بجريدة اللواء التونسي(L'Étendard Tunisien ) وصوت التونسي (La Voix du Tunisien) ليؤسس هو ورفيقاه الطاهر صفر والبحري قيقة في أول نوفمبر 1932 صحيفة ناطقة بالفرنسية "العمل التونسي"(L’Action tunisienne) حملت أفكار الجناح الراديكالي في الحزب الحر الدستوري التونسي والذي انضموا إليه في مؤتمره بنهج الجبل يومي 12 و13 ماي 1933 ولم يطل مقام الحبيب بورقيبة ورفاقه بالحزب فانشقوا عنه وعقدوا مؤتمرا في بلدة قصر هلال في 2 مارس 1934 وكان هذا المؤتمر بمثابة تأسيس حزب جديد عرف بالحزب الحر الدستوري الجديد كان الحبيب بورقيبة ضمن مكتبه السياسي ككاتب عام ويرأسه الدكتور محمود الماطري.
ومنذ هذا التاريخ سوف تقترن حياة الحبيب بورقيبة بتاريخ هذا الحزب ومسار الحركة الوطنية التونسية وقد برز بقدراته الخطابية وحركيته ولم تزده المحاكمات والقمع الاستعماري من إيقافات وسجون ونفي إلا شعبية وكاريزما خاصة بوأته أن يقود الحركة الوطنية ويتزعم حزبه الفاعل الرئيسي في السير بتونس للاستقلال الذاتي في 3 جوان 1955 والاستقلال التام في 20 مارس 1956.
انتخب الحبيب بورقيبة في 25 مارس 1956 عضوا في المجلس القومي التأسيسي وتم اختياره كرئيس له حتى كلّفه محمد الأمين باي في 14 أفريل من نفس السنة لتشكيل أول حكومة لتونس المستقلة ثم أصبح أول رئيس للجمهورية بعد إلغاء الملكية في 25 جويلية 1957، وستجدد الرئاسة له دوريا في انتخابات دون منافس حتى عينه مجلس الأمة في 1975 رئيسا مدى الحياة وسينهي حكمه وزير الداخلية زين العابدين بن علي في انقلاب أبيض في 7 نوفمبر 1987 وضع بعده في إقامة جبرية بمسقط رأسه بالمنستير في أحد قصور الدولة وفي كفالتها حتى وفاته في 6 أفريل 2000 .
في الواقع أنّ سيرة هذا الزعيم السياسي ورجل الدولة معروفة لما كانت تردده أجهزة الحزب والإعلام وحتى المدرسة من مناقبه طيلة ثلاثين سنة. لكن لو أزحنا المبالغات الواردة في ذاك الخطاب المدْحي والتّضخيمي الزائد لدوره في مكافحة الاستعمار واستصْغار رفاق النضال الوطني، وتحجيم دور البعض وغمط حق آخرين، لوقعنا على الصورة الواقعية والفعلية لبورقيبة ذاك الزعيم الوطني الذي حمل لواء الكفاح (مع رفاقه) لتحرير البلاد، قريبا من الشعب وحاملا همّه حيث جاب البلاد عرضا وطولا بصحرائها وسهولها، ناشرا الروح الوطنية ومعبِّئا للطاقات.
أما عن حكم بورقيبة من 1956 إلى 1987 رغم ما ينتقد فيه من استبداد فردي وتضييق على الحريات وقمع معارضيه الكثيرين في محاكمات سياسية كثيرة وإفراغ المؤسسات من مضمونها وتهميش للإرادة العامة وتعدّ على الدستور وتسطيح للثقافة السياسية، فإنه أقحم البلاد والمجتمع في روح العصر.
وعكس حكم البايات، فقد أحسنت الدولة البورقيبية عموما في التصرف في الثروة الوطنية ووظفتها لصالح الوطن بنشر التغطية الصحية وتعميم التعليم وتحديثه وتطوير الاقتصاد والبُنى التحتية وتجديد الثقافة وتحديث المجتمع وخاصة تحرير المرأة وإصدار مجلة الأحوال الشخصية (13 أوت 1956) التي منعت تعدد الزوجات وفرضت رضاء الزوجين عند القران والطلاق أمام القضاء وللزوجين الحق فيه علاوة على منح المرأة حق الانتخاب سنة 1957 والترشح لكل الوظائف سواسية مع الرجل واتباع سياسة إنجابية استفادت منها المرأة والعائلة، كذلك واصلت الدولة تحت حكم بورقيبة القضاء على الأطر التنظيمية القديمة المُعرقلة للتقدم والتي كان يقوم عليها حكم البايات من عروشية وقبليّة وولاءات عائلية وجهويّة وثرائية والحدّ من ظواهر المحسوبية والرشوة والتمييز، حيث خرجت تونس بفضل بورقيبة ومن معه، من حكم العمائم والتّمائم وأعلت راية العلم والعقل.
وحتى وإن طال حكم بورقيبة على ما يزيد عن ثلاثين سنة وشابَه بذلك حكمَ البايات، فإنه كان في المحصّل حاكما وطنيّا اجتهد لخدمة وطنه دون إغراقه في التبعية وبيعه للاستعمار. وكانت نقيصة بورقيبة الكبرى –مدفوعا ببطانة المصالح– هي إصراره على التمسك بالكرسي وغلق الباب أمام القوى الحية البديلة فسقط أداء دولته السياسي في آخر عهده في ما دأبت عليه أنظمة الاستبداد من فساد وظلم ودسائس النساء والرجال وشائنات أخرى من جهويّة ومحسوبيّة.
لكن يبقى هذ االزعيم في ذاكرة غالب التونسيين كمؤسس الدولة الحديثة ومحرّر المرأة وفي العالم كرجل دولة وصديق العالم الحر.